المقدمة: الصرخة التي ولدت من رحم الفشل

في تاريخ العصامية المصرية، هناك أسماء لامعة، لكن اسم “عنان الجلالي” يظل له بريق خاص. إنه الرجل الذي أثبت أن الذكاء الاجتماعي والإرادة الفولاذية أهم بمراحل من الشهادات الأكاديمية الجافة. رحل عن عالمنا في يونيو 2024، لكن قصته ستبقى منارة لكل شاب يظن أن أبواب الرزق قد أُغلقت في وجهه.


1. البداية في القاهرة: الابن “المتعثر” في عائلة النابغين

ولد عنان الجلالي عام 1947 في ضاحية مصر الجديدة العريقة. نشأ في كنف عائلة أرستقراطية؛ والده اللواء “راشد الجلالي” كان نموذجاً للانضباط والنجاح. بينما كان إخوته يحققون تفوقاً دراسياً باهراً، كان عنان يعاني مع الكتب.

رسب في الثانوية العامة مرة، واثنتين، وثلاثاً، حتى بلغت أربع مرات. في ذلك الوقت، كانت نظرات المجتمع والأسرة قاسية. شعر عنان أنه عبء، وأن “الواسطة” التي قد يوفرها له والده ستكون طعنة في كبريائه. قرر أن يرحل، ليس هرباً من الفشل، بل بحثاً عن “عنان” الذي لا يعرفه أحد.

2. رحلة العشرة جنيهات: مواجهة الجوع في النمسا

في الستينيات، غادر القاهرة متوجهاً إلى النمسا. لم يكن يملك في جيبه سوى 10 جنيهات إسترلينية. في فيينا، اصطدم بالواقع المرير؛ شاب لا يجيد اللغة، بلا مال، وبلا مأوى.

  • صندوق التليفون: حكى الجلالي في مذكراته أنه كان ينام في صناديق التليفونات العمومية ليحتمي من برد أوروبا القارس.

  • البحث عن الطعام: وصلت به القسوة إلى البحث عن بقايا الطعام في القمامة. كان يبيع الجرائد في الشوارع، ليس ليغتني، بل ليشتري رغيف خبز يسد رمقه.

3. الهروب إلى الدنمارك: البداية من “تحت الصفر”

عندما حاول والده مساعدته عبر القنصلية المصرية، رفض عنان بشدة. انتقل إلى الدنمارك، وهناك بدأت الأسطورة. تقدم للعمل في فندق بمدينة “أودنسه”. لم يطلب راتباً، بل طلب “وجبة طعام وسريراً للنوم”.

صفحات: 1 2 3 4