
في ليلة من ليالي الشارقة الهادئة، حيث يمتزج صوت أمواج الخليج برائحة الكتب القديمة في ردهات قصره، يجلس رجل لا تغيب عنه شمس المعرفة. هو ليس مجرد حاكم يدير شؤون إمارته، بل هو باحث بمشرط جراح، ومؤرخ بقلب شاعر. إنه الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الرجل الذي جعل من “الثقافة” مشروعاً وطنياً يتحدى ناطحات السحاب الصامتة.
الفصل الأول: الفتى الذي قرأ المستقبل في رمال الشارقة
تبدأ القصة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، في زمن لم تكن فيه الرفاهية سوى حلم بعيد. في تلك الأزقة الضيقة، نشأ “سلطان” الشاب وفي قلبه شغف لا يرتوي. لم تكن الألعاب هي ما يشغل باله، بل كانت “المخطوطات” والقصص التي يرويها الكبار عن تاريخ الأجداد.
في لحظة درامية من حياته، قرر الشاب سلطان أن يسلك درباً مختلفاً؛ سافر إلى مصر للدراسة في جامعة القاهرة (كلية الزراعة)، وهناك، في قلب القاهرة الصاخب بالثقافة والسياسة، تبلورت شخصيته القيادية. لم يكن يزرع الأرض فحسب، بل كان يزرع في عقله رؤية لـ “شارقة” ستصبح يوماً ما منارة للعالم.
الفصل الثاني: ليلة تولي الحكم.. ثقل الأمانة وصرخة البناء
تأتي اللحظة الحاسمة في عام 1972. الشارقة تمر بمرحلة انتقالية حرجة، والمسؤولية تهبط على عاتق الشاب المثقف. لم يبدأ حكمه بالاحتفالات فحسب، بل بدأه بكلمة شهيرة هزت القلوب: “آن الأوان لنكف عن بناء الخرسانة، ونبدأ في بناء الإنسان”.
كانت هذه الصرخة هي “الشرارة” التي أشعلت ثورة ثقافية لا مثيل لها في المنطقة. بينما كان الجميع يتسابق نحو آبار النفط، كان سلطان القاسمي يتسابق نحو “آبار المعرفة”.
الفصل الثالث: الباحث عن الحقيقة في دهاليز الأرشيف
هنا تكمن الإثارة الحقيقية في شخصية الشيخ سلطان. هو ليس “مؤرخاً نظرياً”، بل هو “مغامر تاريخي”. قضى سنوات طوال في أرشيفات لشبونة، ولندن، وباريس، يفتش بين الأوراق الصفراء والمخطوطات المنسية ليدافع عن عروبة الخليج ويصحح التاريخ الذي زوره المستعمرون.
في كتابه الشهير “سرد الذات”، يأخذنا في رحلة تشبه روايات التشويق، يحكي عن الصراعات، عن التحديات، وعن اللحظات التي كان يواجه فيها المجهول وحيداً، متسلحاً فقط بإيمانه بوطنه وشعبه.
الفصل الرابع: الشارقة.. المدينة التي تتنفس شعراً
تحت حكمه، تحولت الشارقة إلى مسرح كبير. هل سمعتم عن مدينة تقيم “أياماً للمسرح”، و”معرضاً للكتاب” يزوره الملايين، و”بينالي للفنون”، ومجامع للغة العربية؟ كل زاوية في الشارقة تحكي قصة؛ من “قلب الشارقة” التاريخي الذي أعاد ترميمه بحسه الفني، إلى “المدينة الجامعية” التي تقف كأنها قطعة من غرناطة في عز مجدها.
الفصل الخامس: سلطان الإنسان.. وراء الستار
بعيداً عن الأضواء والبروتوكولات، تظهر شخصية الأب الحاني. هو الرجل الذي يفتح أبوابه للمواطنين عبر “البث المباشر”، يستمع لمشاكلهم، يحل أزماتهم، ويبكي لمصابهم. إنها العلاقة الفريدة التي تجعل من القائد “فرداً من العائلة”.
يقول دائماً: “الثقافة هي التي تحمينا من التطرف، وهي التي تفتح لنا آفاق السلام”. وهذا الإيمان هو ما جعله يحصل على أرفع الأوسمة والشهادات من كبرى جامعات العالم، ليس لمنصبه، بل لعلمه الغزير ومساهماته الإنسانية.
الخاتمة: حكاية لم تنتهِ بعد
إن قصة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي هي قصة انتصار “القلم” على “السيف”، وانتصار “الفكر” على “النسيان”. هو الحاكم الذي جعل من التاريخ بوصلة للمستقبل، ومن الشارقة وطناً لكل مثقف، وشاعراً لكل عاشق للجمال.
عندما تنظر إلى سماء الشارقة اليوم، لا ترى مجرد أضواء، بل ترى انعكاساً لروح رجل آمن بأن الكلمة هي أغلى ما يملكه الإنسان.
